يأتيك على حين غفلة.. حب الفجأة‎

بلال البرغوث  |  June 26, 2018


حبُّ الفجأةِ هذا -يا عزيزي- هو حبٌّ لا تملك أعِنَّته، وليس لك به من أمرك شيء، فلم تسهر الساعات الطوال تُخطِّطُ لبوحك العظيم به، ولم تَخُطَّ بقلمك الرّصاص في كل ساعات محاضراتك على حواشي الكتاب اسم ذلك العشيق الذي سلَبَك عقلك وقلبك، ولم تشرُد به حين تضرب حبّات المطر نافذتك المتَّسخة، ولم ترَ وجهه في كوب الشاي وفنجان القهوة ولمعة عينيك وكفّ يدك، فهو حبٌّ باغتك على حين غفلةٍ منك، فهو كان دائماً على مقربة منك، وإذ بك فجأةً صحوت وإيقاعُ حياتك ينطَرِبُ على أنغامه، صحوت عليه لتجده واقعاً فيك، في داخلك، لم يمر بكل حواجز التصفية ومراحل الفلترة، بل إنّه لربّما كان هناك مُذ كنتَ جنيناً تتطفَّل على غذاء أُمِّك.

 وأمّا عن ذلك السرّ الذي تكتشفه في أعماقك فجأة دون مقدِّمات، كأنّه في كل لحظةٍ من ذلك العمر الغابر من حياتكَ كان يُسقى حتى كبرَ شيئاً فشيئاً وعلى مهلٍ داخل هذا القلب النابض بالحياة تارةً، والمقبوضُ من مآسيها تاراتٍ أخرى، فجأةً تنقشِعُ الغيوم عن تلك النبتة، وتضربها الشمس بأشعَّتها، فتشقُّ طريقها من حيث أنت نفسك لا تدري، والغريب أنك بلا تردد تعترف بكل تفصيلةٍ من إعجابك المطلق بهذا الشخص المفعم بالحيوية والجمال، ويكأنَّك ما عرفته في كل ذلك الماضي السَّحيق، تراه اليوم كما لم ترَه أبداً، تتأمل كل تفاصيله كما لم تتوقع أبداً أن تفعل، تفاصيل وجهه وحتى كلماته، تَتَبعُها حتى لو أن لا معنى لبعضها، تترقَّبُ كل حركةٍ يخطوها، ثم تتبسَّم خفيةً عند عثراته التي يكاد يخفيها، يُغنِّي فتستمتع حتى مع نشاز صوته، يضحكُ مستبيحاً حرمة الصمت السائد في المكان، فتنطرب على إيقاعات ضحكته، يتعجرَفُ مفتخراً بنجاحاته الصغيرة، فتُكبِره وتُجلّه، تسمع منه حتى مشكلاته الكبيرة، والتي ما هي إلا كقطراتٍ في بحر هموم الموت والمنفى الذي تعيشه.

 وفي حبِّ الفجأةِ هذا تعويضٌ عن كل ذلك الحب الذي رسمت به طريقك إلى قلب المحبوب بالورود والأماني والخطط المنسّقة منها والمفضوحة، فأنت لم تبنِ جسراً إلى ذلك القلب بل وجدت نفسك في الضفة الأخرى سلَفاً، ولم تبنِ سلَّماً تصعدُ به إلى أفكاره وعقله، بل أنت هناك أصلاً، تعرفُ أفكاره وتميز إيماءاته وتصنِّف ضحكاته وتعابير وجهه، ولربَّما قد وجدت نفسك هنا أصلاً بتراكم كل تلك الأفكار والإيماءات التي حفظتها يوماً عنه لكونه قريباً منك، تراكمت كل تلك الصفات ثم انفجرت حبّاً في قلبك، لوهلةٍ قد لا يبدو لك منطقيّاً، ولكنه قطعاً بغاية الجمال، أن تعجب بشخصٍ بهذا القرب منك، أي أنّك لن تسلك كل السبلِ إلى كل القلوب حتى تجدَ ضالّتك، بل إنّ هذه السبيل كانت موجودةً منذ التقت عيونكما لأول مرة، وقد ضللتها مراراً، وها أنت اليوم تهتدي إليها.

 فانظر حولك عزيزي قبل أن تقطع الشطآن وتغوص في كل المحيطات، تبصَّر كل الطرق التي تتفرَّع من حولك، التمس حاجتك فيها، وجِد ضالّتك بالنّور الذي يتوهّجُ في آخرها، وكَم من قلبٍ تاه حتى قنط وإذ به يهتدي من حيثُ لم ينظر مسبقاً، فسبُل الحبِّ هذه مع كل مآسيها، فإنّك ما إن اهتديتَ إلى ضالّتك فيها، إلّا وتقع في قلبك سكينةٌ تغسل كل ما سلف من مآسٍ كابدتَّ الليالي الطوال حمّى بسببها… جِد الطريقَ وإياك واليأس، فإنّ في عوالم الحبِّ ما يسمو بك وبروحك ووجدانك في عالم الماديات الذي نعايشه كل دقيقة من عمرنا القصير.


المصدر | عربي بوست