هي ثورتنا جميعاً ولكن..!

بلال البرغوث  |  November 13, 2016


كانَ صباح الثامن والعشربن من يونيو/حزيران 2012 في مدينة دوما التي تبعد 11 ميلاً شمال شرقي دمشق.

واضعاً روسيّته على خاصرتي لأصعد إلى الأعلى لأقضي حاجتي، سلَبَني هاتفي ثمّ قال: «مَتوقفوا بوش الدّولة، ولك ما عاش يلي بيوقف بوش الدولة!». وفعلاً، لم يعيشوا ذلك الصباح، فقد قَتلت ميليشيا الأسد مع اقتحامها المدينة صباح ذلك اليوم كل مَن هو موجود بساحة جامع التوحيد تقريباً حيث كنت متواجداً هناك، كان منهم عائلات بأكملها وكنّا طوال الوقت نسمع نحيب نسائهم ولم تنجُ سوى قلّة..

تابَع: «ولك لنقطع نسل آخركم، مين مفكرين حالكم، ثورة مين هي!».. سكَتُّ فيما يعصُف بصراخه ووددَتُّ لو أجيبه، قضيتُ حاجتي، ثم أعادوني إلى القبو لأنضمّ إلى 14 ناجياً من تلك المجزرة، ومع انقضاء الليل تسللنا إلى سيارتنا وتكدسنا كالجثث بعضنا فوق بعض، فيما بدأ القناص باستهدافنا، طال بنا الليل حتى غادرنا المدينة مع حلول فجر الجمعة.

بعد يومين قضيتهما في البراري، وصلت مع أصدقائي إلى دمشق وصدَف أننا أقمنا في فندقٍ يقيم به أعضاء من بعثة المراقبين، وكنا نلتقي بعضهم في بوفيه الفطور، ولما كنا نحدّثهم عن الوضع على بعد أميال قليلة منهم، كانوا يكتفون بالقول: «حدثتْنا السلطات أن الأمور على ما يرام»، كأنّ السلطات كانت ستخبرهم بأنها ارتكبت مجزرة!

المهم، كانت المفارقة هي بما رأيته من وضعٍ طبيعي في دمشق كأنها في كوكب آخر. بعد يومين فقط وأنا بطريق عودتي ليلاً للفندق، سمعتُ ضجيجاً قوياً، خِلتُها مظاهرة مسائية، توجّهت نحوها فإذا بها قهوة عامة مع شاشة عرض كبيرة وعشرات العشرات من المتابعين لمباراة إيطاليا وإسبانيا!

استذكرتُ مباشرة كلام ذلك الضابط «ثورة مين هي!».. فعلاً، هي ليست ثورة هؤلاء، ولَربما أصلاً لا يعنيهم أمر أولئك الذين يموتون بلا هوادة على أطراف عاصمتهم الساحرة ليجلبوا لهم الحرية!

ولكنّ الأمرَّ من ذلك، هو أنه بعد شهورٍ قليلة فقط بدأت تطفو على الساحة اختلافات من نوع آخر، لم تكن اختلافات مؤيّدٍ و معارض؛ بل اختلافات معارض ومعارض.

بدأت تطفو على السطح تناقضاتنا الفكرية واختلافاتنا العقائدية، بات الجميع قادراً على تصنيفك وإعطائك علامة ولاءٍ وبراء.. بتُّ حينها أتساءل: فيما سبَق، كنتُ أمسك بيدِ مَن هو بجانبي في المظاهرة دون معرفة اسمه أو دينه أو مذهبه، وكنا نشعر بالقوة بتشابك الأيدي، فما الذي حدَث؟

حقيقةُ ما حدث، هو أننا كثوار لسنا على قلب رجلٍ واحد رغم كلّ مآسينا، نحن جماعات وأحزاب وفصائل، وكلٌّ منا يدّعي الفضيلة لنفسه؛ بل يختَصُّ بها نَفسه، فيما وصل الحال لحدِّ رفض الآخر الذي لا يشابهه رغم استمرار الجلّاد في تعذيب كليهما.

حقيقةُ ما حدث، هو أنّ كل جماعة -إلّا مَن رحم ربي- آثرت مشروعها الضيّق على المشروع الثوري العام، المشروع الذي يجمع الجميع تحت كَنفه، وباتت كل جماعة تنسج -ضمن الكيلومترات التي تحكمها تحت حصار الأسد- أحلامها الدنكوشوتية وتقدّم طريقتها المثلى للقيادة، التي أثبتت فشلها فيما بعد.
فلَن يكون يوماً للتضحيات العظيمة التي يقدمها الإسلاميون على الأرض سبيل نحو تحقيق أهدافها ما لَم تُشارَك ببراعة السياسيين والدبلوماسيين الذين ينتمون إلى تياراتٍ مختلفة ولكنهم يجتمعون ضمن الهدف الأسمى وهو حرية هذا الشعب، وفي المقابل ستبقى وعود هؤلاء السياسيين فاقدة القيمة ما لَم تُرفَق بدعم مواقفهم على الأرض.

بالمحصلة، كسوريين نسعى لخلاص هذا الشعب والاقتصاص لشهدائه والمضيِّ في ثورته، يجب علينا أن نجتمع من جديد كما سبق أن كنّا، رغم كل اختلافاتنا وتناقضاتنا، فالاختلافات العقائدية والتناقضات الفكرية هي ميزةٌ تُثري هذا الشعب العظيم، ما يجمعُ فصائلنا وقوانا السياسية أكبر بكثير من ما يفرقها، وإن لم نُدرِك ذلك قبل فوات الأوان فقد أُكِلنا يوم أُكِلَ الثور الأبيض.

نَعم.. وددتُّ لو أجيب ذلك الضابط: «هذه ثورتنا نحن جميعاً»، ولكنّه كان سيسخر مني اليوم؛ أنّني يومها دفعتُ روحي ثمناً لهذا الجواب.


المصدر | عربي بوست