لِمَ قد يُغرَمُ صندوق النقد الدولي بالديكتاتوريات؟

بلال البرغوث  |  December 6, 2016


في خريف 1973 أطاح الانقلاب العسكري، بقيادة الديكتاتور أوغستو بينوشيه، بحكومة الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي في تشيلي، بمساعدة غير محدودة من وكالة الاستخبارات الأميركية، وقد تَبِع هذا الانقلاب -شأنَه شأن انقلاباتنا العربية- سلسلة من الفتك بمعارضي الانقلاب بعمليات وحشيّةٍ ودموية لم تمنع سيدة الديمقراطية في العالم من أن تستمر بدعمها اللامحدود للنظام الانقلابي الجديد في تشيلي، ومساندته عبر صندوق النقد الدولي بقروض تضاعفت إلى أربعة وخمسة أضعاف خلال السنتين التاليتين.

ورغم أنّ بينوشيه نجح في إلغاء التأميم المُستَحدث في العهد الاشتراكي، فإنه لم يستطِع مواجهة التضخم الذي اجتاح بلاده، مما اضطره للاستعانة بـ»صبيان شيكاغو» مواطنيه الاقتصاديين الذين درسوا على يد فريدمان والذين -كما افترض- كانوا قد سُقوا من معين أفكار «الليبرالية الجديدة»، وفي الحين الذي يضرمُ بينوشيه النار في معارضته السياسية ويقمع النقابات العمالية، كانَ صبيان شيكاغو يرسمون خطة تقشّفٍ ربما لم تعِشها دولةٌ في العالم بعد، على أعقاب الازدهار الذي تلى الحرب العالمية الثانية.

وقد أسفرت خطتهم عن ارتفاعٍ غير مسبوق في معدلات البطالة، من 3% عام 1973 إلى 18.7% عام 1975، وبالطبع رافق ذلك ارتفاع معدل التضخم لـ341% في الفترة نفسها، وازدياد الهوّة بين فئات المجتمع وتعاظم مأساة تلك الطبقة القابعة في أسفل السلم الاجتماعي، وبالطبع تكدّس المزيد من الملايين في خزائن أرباب المال ومسؤولي الدولة.

قد تكون تشيلي مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة التي تثبت فشل صندوق النقد الدولي بتنفيذ شعاراته البراقة التي تدّعي صياغة مناهج تفضي إلى تنمية مستدامة ورخاء متزايد، ولكنّه قد يكون الأقرب للتجربة المصرية، فهذه العلاقة المميزة التي تجمع الصندوق بديكتاتوريات هذا العالم تحقيقاً منهم لمكاسبهم المالية على وقع أنّات الفقراء وقرقعة بطونهم الخاوية قد جعلت منه مؤسسة استعماريةً بأدواتٍ ناعمة مدعومة بالإعلام، ولكنها حقيقة مدعومة بمدجّجاتٍ صنَعت لها هذه الهيمنة التي تتمتع بها على دول العالم.

وبالعودة إلى مصر، فالملك فاروق ترك خزائن مصر بفائض أجنبي يقدر بـ450000 جنيه إسترليني؛ لتبدأ بعده الدولة العسكرية بالاستدانة بحجّة بناء جيش يواجه الأخطار المحدقة بمصر آنذاك؛ ليترك عبد الناصر مصر عام 1970 بدين قدره 1.7 مليار دولار، وتبع أثره السادات، ومبارك الذي ترك الحكم سنة 2011 بدين يقدر بـ34 مليار دولار.

ولكن للحقيقة فإنّ أيّاً من الحكام السابقين لم يبلغ به الفساد الدرجة التي بلغها النظام الحالي في مصر، الذي يقدم التنازلات تِباعاً ثمناً للاعتراف الدولي بشرعيته.

الديكتاتور الأبله، الذي لا يُجيد سوى فنّي الفتك بمعارضيه والشحاتة، قد ساق مصر إلى أبعد ما يُمكن لمبارك وفساده حتى أن يتخيّله.

فالنزول عند الشروط المجحفة التي وضعها صندوق النقد الدولي والتي تقتضي رفع الدعم عن المستلزمات الحياتية الضرورية من حليب أطفال ومحروقات ومواد غذائية وكذلك تحرير سعر الصرف، والتلويح دائماً بخطط تقشُّف جديدة، قد ساقَت البلاد نحو انحدارٍ غير مسبوق في فقر الطبقة التي في أسفل السلم الاجتماعي، أضف إلى ذلك تسلّط ألوية الجيش وجنرالاته على مقدرات البلاد وشغلِهم لمناصب إدارية لا يفقهون بها شيئاً، وهما الأمران اللذان زادا ضرباً على ألم المواجع التي يعاني منها مواطنو هذه الدولة الأمنيّة.

كما أن صرف أموال القروض في شراء أسلحة وطائرات حربية ورئاسية وفي مشروعات قومية لا طائل منها قد يجعل مصر في المستقبل القريب عاجزةً عن سداد مديونية المُقرضين، وسيقعُ وبال ذلك على المواطن المصري الفقير والمتوسط الدخل الذي عليه أن يدفع ثمن تهور حكومته وقراراتها الحمقاء.

ففي الوقت الذي خسر فيه المواطن المصري نصف قيمة أمواله المودعة في البنوك بسبب قرار تحرير سعر الصرف، فإنه وخلال أمدٍ قريب قد يفقد ما تبقى منها حينما يجبر الديكتاتور هذه المصارف على دفع ثمن حماقاته عندما يحين وقت سداد هذه القروض التي على الأغلب قد تقف حكومة الفساد هذه عاجزةً عن دفعها، وما سيترتب على ذلك من فقد ثقة المودعين بهذه البنوك، ودأبهم على سحب ودائعهم، وهو الأمر الذي قد يعرض مجمل النظام المصرفي المصري للخطر ما لَم يُنقذ بـ»الرّز الخليجي»!

باختصار.. فإن الدولة التاريخية صاحبة أحد أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، وصاحبة الثروة الفتيّة بخزّانٍ بشري وشبابي لم تمسِ اليوم رجلاً مريضاً فحسب؛ بل إنها رجل موبوء بالفيروسات، قد ينفجر جسده في أي لحظة منذراً بكارثة سيدفع ثمنها الفقراء وحدهم.

إن الظلم المجتمعي وتوهيم الشعب بأحلام التنمية المستدامة والرخاء الدائم وتخديره عن استشعار الأخطار الإنسانية والقومية التي تحيق به هي العمل الدائم لهذا النظام، وهي ذات الأسباب التي ستُخرِج عمّا قريب «ثورة خبزٍ» تكبُر اليوم في رحم معاناةِ هذا الشعب، ولن يستطيع حينها جيشه أن يَئِدها، كما أنّه لن يستطيع ملء هذه الأفواه بمؤتمرٍ يعقده لبيع مقدرات البلد للأجانب.


المصدر | عربي بوست