حب المعتّرين

بلال البرغوث  |  September 30, 2017


في كلماتي هذه يا سادة لا أتكلم عن حبِّ الورود المسروقة من البوكيهات أمام صالات الأفراح، ولا عن حبِّ اللقاءات في السرافيس الصغيرة في مدننا الدافئة، ولا عن حبٍّ أحمقٍ كَبُرَ خلف جدرانٍ متشقّقة أو سقفٍ يدلُف، ولا عن حبِّ الرسائل المُجعلكة حول الحجارة لتُلقى نحو النوافذ والشرفات، فهذا الحبُّ الذي يجمع بين شخصين «معتّرين» غالباً ما يؤتي أُكله في بيتٍ صغير لأبٍ مديون لسوبر ماركت الحارة، ربّما طبعاً ستكون حياة هذين الزوجين بكلِّ «تعتيرها» جميلة بنظرهم، حتّى ولو مرِضَ طفلهم في آخر الليل وعجزوا عن تطبيبه بسبب غلاء معاينة الأطباء، وحتى لو بلّل الماء الدالف من السقف جميع ثياب ساكنيه وحاجيّاتهم، وحتّى لو قُطِعَت الكهرباء لعدم تسديد الفواتير، فإنّ هذين الزوجين «المعتّرين» سيعودان لمنزلهما ليلاً ويضعان رأسيهما على وسادتهما راضينَ عن مآلات حياتهما، ولربّما تنقلب الأحوال فيهرب الحب مع استدامة الفقر وطول أمده وقباحة عواقبه.

ولكنّي سأتحدّث عن حبٍّ أكثر تعتيراً، عن حبٍّ أبطالُ قصصه مستحيلي الالتقاء في عالَم الماديات، عن حبٍّ أحد طرفيه يسكن في شرفةٍ عالية، قد تكون عاليةً واقعاً أو مجازاً، فقد تكون الحبيبة تسكُن في برجٍ فخمٍ لعائلةٍ ثرية وتنتظرُ أميراً أو وزيراً، أو تكون في برجها العاجي تعانق كُتبَ اليسار واليمين وتنتظرُ شاعراً أو فيلسوفاً، وقد تكونُ جمَعت البرجين معاً فأصبحت حقيقةً عاليةَ الشُّرفة، ويكون الحبيب عاملاً فقيراً معجباً بنظراتها أو سائقاً تيّمتهُ رائحة عطرها الفائحة من مقعدها الخلفي، ولربّما يكونُ البوّاب الذي ينتظرُها ليلاً ليُكحّل عينيه برؤيتها قبل أن يغلبه النعاسُ على كرسيّه الخشبي الأصم وقد يكون.. وقد يكون..

وقد تكونُ الأدوار متعاكسة فتعشقُ بائعة الورد ذلك الجِنتِل الذي يطلُّ ببدلته الأنيقة ليشتري الورود لمواعيده الغراميّة، أو يدخُل عشقُ ذلك الغني والد الفتى اليتيم قلبَ المربيّة التي تُجالس طفله في ساعات عمله.

والحقيقة يا سادة هو أنّ هذه القصص الجميلة التي تغزر بها المسلسلات والأفلام عن المعجزة التي تتحقّق للسندريلا ليست سوى خيالاتٍ لا تمتُّ لعالمنا الماديِّ بصِلة، بَل إنّك حتّى لو أردتَ الإيمان بتلكَ المعجزات التي حلمت بها في صغرك، تلك المعجزات التي تحلُّ مشاكلك وتُطعِمُ الفقير وتُدفِّئُ البردانين وتُنجِّي البشرية، حتّى لو أردتَ التيقّن بها فإنّك في أول مطبٍّ يواجهك في حياتك الواقعية ستدركُ أن تلك المعجزات ليست موجودة، وأنّها لن توجَد ما لم ترسم أنت بنفسك خيوطها وتكتبها وتصنعَ معجزتك أنت بيدك، وبغضِّ النظر عن الفئة القليلة القليلة من «المعتّرين» الذين استطاعوا صناعة سلالم طويلةٍ ليصلوا شرفة الحبيب، فإنّ طريق هؤلاء لنجارة هذه السلالم لم يكُن سهلاً أبداً،

بل ربّما اضطروا لكسرِ خشبِ أبوابهم وأسرّتهم ليصنعوا ذاك السُلّم، بغضّ النظر عنهم فإنّه هناك فئات معتَّرة حتَّى العدم، فئاتٌ أضناها النظر للمحبوب وارتقابه وتتبِّع آثار عطره، فئات عجزت مِراراً عن صناعة ذلك السلّم؛ لأنها اصطدمت بـ»عقدةٍ» عنيدة في الخشب، قد تكون تلك العقدة في مشرقنا عقدة الدين أو الطائفة أو المذهب أو حتى الولاء لجماعةٍ والبراءُ من أخرى إضافةً طبعاً لعقدِ الطبقات الاجتماعية والمناطقية والقومية، وهي العقد التي أعاقت بناء سلالِمنا على المستويات الاجتماعية، فضلاً عن المستوى الفردي.

وبالعودة لهؤلاء المعترين الذين عليهم أن يقضوا سنيَّ عمرهم كبتاً لعشقٍ محرَّم أو أن يأثموا بالغرفِ منه فتغضبَ القبيلة والمجتمع والعائلة، فإن كبَتوا ولم يأثموا فهؤلاء هم «المعتّرون»، هؤلاء من أحبّوا وعشقوا ورسموا سلالمَ حتى القمر في مخيلاتهم وأوراقهم، كتَبوا الرسائل وعطّروها وطووها بأناقةٍ داخل مظروفٍ جديد ثم ألقوا بها في فمِ النّار، حملوا الأقلام وكتَبوا حتّى ساعات الفجر، فضحتهم تلك الساعات اللعوب، فهي بنقائها تجعل أرواحهم شفّافة وتضع مكنونات قلوبهم على أوراقٍ، ما إن طلعَت شمس يومٍ جديد حتّى تهرب تلك الأوراق لتوقد ناراً حقيقيّة لنيرانٍ مجازيّةٍ تأجّجت طوال الليل.


المصدر | عربي بوست